سيد قطب

3683

في ظلال القرآن

ولعل هذا الإيحاء هو المقصود ! « 1 » . فإذا انتهى الأمر ، نشرت أسبابه على الحشود : « إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ » . . إنه قد خلا قلبه من الإيمان باللّه ، والرحمة بالعباد . فلم يعد هذا القلب يصلح إلا لهذه النار وذلك العذاب . خلا قلبه من الإيمان باللّه فهو موات ، وهو خرب ، وهو بور . وهو خلو من النور . وهو مسخ من الكائنات لا يساوي الحيوان بل لا يساوي الجماد . فكل شيء مؤمن ، يسبح بحمد ربه ، موصول بمصدر وجوده . أما هو فمقطوع من اللّه . مقطوع من الوجود المؤمن باللّه . وخلا قلبه من الرحمة بالعباد . والمسكين هو أحوج العباد إلى الرحمة ولكن هذا لم يستشعر قلبه ما يدعو إلى الاحتفال بأمر المسكين . ولم يحض على طعامه وهي خطوة وراء إطعامه . توحي بأن هناك واجبا اجتماعيا يتحاض عليه المؤمنون . وهو وثيق الصلة بالإيمان . يليه في النص ويليه في الميزان ! « فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ . وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ . لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ » . . وهي تكملة الإعلان العلوي عن مصير ذلك الشقي . فلقد كان لا يؤمن باللّه العظيم ، وكان لا يحض على طعام المسكين . فهو هنا مقطوع « فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ » . . وهو ممنوع : « وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ » . . والغسلين هو غسالة أهل جهنم من قيح وصديد ! وهو يناسب قلبه النكد الخاوي من الرحمة بالعبيد ! طعام « لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ » . . المذنبون المتصفون بالخطيئة . . وهو منهم في الصميم ! وبعد ، فذلك هو الذي يجعله اللّه مستحقا للأخذ والغل والتصلية والسلسلة التي ذرعها سبعون ذراعا في الجحيم . وهو أشد دركات جهنم عذابا . . فكيف بمن يمنع طعام المسكين ومن يجيع الأطفال والنساء والشيوخ ، ومن يبطش بطشة الجبارين بمن يمد إليهم يده باللقمة والكساء في برد الشتاء ؟ أين ترى يذهب هؤلاء ، وهم يوجدون في الأرض بين الحين والحين ؟ وما الذي أعده اللّه لهم وقد أعد لمن لا يحض على طعام المسكين ، ذلك العذاب في الجحيم ؟ وينتهي هذا المشهد العنيف المثير . الذي لعله جاء في هذه الصورة المفزعة لأن البيئة كانت جبارة قاسية عنيدة تحتاج إلى عرض هذه المشاهد العنيفة كي تؤثر فيها وتهزها وتستحييها . ومثل هذه البيئة يتكرر في الجاهليات التي تمر بها البشرية ، كما أنه يوجد في الوقت الواحد مع أرق البيئات وأشدها تأثرا واستجابة . لأن رقعة الأرض واسعة . وتوزيع المستويات والنفسيات فيها مختلف . والقرآن يخاطب كل مستوى وكل نفس بما يؤثر فيها ، وبما تستجيب له حين يدعوها . والأرض تحتوي اليوم في بعض نواحيها قلوبا أقسى ، وطبائع أجسى ، وجبلات لا يؤثر فيها إلا كلمات من نار وشواظ كهذه الكلمات . ومشاهد وصور مثيرة كهذه المشاهد والصور المثيرة . . وفي ظل هذه المشاهد العنيفة المثيرة ، المتوالية منذ أول السورة ، مشاهد الأخذ في الدنيا والآخرة ، ومشاهد التدمير الكونية الشاملة ، ومشاهد النفوس المكشوفة العارية ، ومشاهد الفرحة الطائرة والحسرة الغامرة . . في ظل هذه المشاهد العميقة الأثر في المشاعر يجيء التقرير الحاسم الجازم عن حقيقة هذا القول الذي جاءهم به

--> ( 1 ) مشاهد القيامة : سورة الحاقة . « دار الشروق » .